عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
23
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية
وأما إن قلنا إن كل ما لا بد منه في المؤثرية ما كان حاصلا ، فإن استمر ذلك السبب أبدا وجب أن لا يصير إليه مؤثرا ، لكنا فرضناه مؤثرا في الأزل هذا خلق . وإن كان حدوثه بسبب نقلنا الكلام إلى كيفيّة حدوثه ، فيعود التسلسل ، وهو على وجهين : الأول : أن يكون التسلسل واقعا في أسباب ومسبّبات ، يكون مجموعها موجودا دفعة ، وذلك مما أبطلناه . والثاني : أن يكون التسلسل واقعا على وجه يكون كل واحد منها مسبوقا بالآخر ، لا إلى بداية ، وأول ذلك هو المتعين ، فإنه لما بطل جميع الأقسام إلا هذا القسم ، تعين هو للمصير إليه . وتقريره : أن يقال ذلك المؤثر القديم الواجب لذاته ، فياض أيضا لذاته ، إلا وإن كان حادثا مسبوقا بحادث آخر ، حتى يكون انقضاء المتقدم شرطا لفيضان المتأخر عنه ؛ وبهذا الطريق المبدأ الأزلي مبدأ للحوادث المتغيرة . قالوا : ولهذا مثال في الحركات الطبيعية ، وهي الحركات الإرادية . أما في الحركات الطبيعية ، فلأن المدرة المرمية إلى فوق ، تعود بثقلها إلى الأرض ؛ فالموجب لتلك الحركة من أول المسافة إلى آخرها ، هو ذلك الثقل ، إلا أن ذلك الثقل إنما أوجب انتقال الجسم من الحيز الثاني إلى الحيز الثالث لأن الحركة السالفة أوصلتها إلى الحيز الثاني فكان حصول إلى الحيز الثالث . وهكذا القول في جميع الأجزاء التي في الحركات الإرادية ، فلأن من أراد الذهاب إلى زيارة صديق له ، فتلك الإرادة هي المؤثرة في حركة البدن من ذلك المكان إلى مكان ذلك الصديق ، إلا أن تأثير تلك الخطوة في إيجاد الخطوة الثانية ، مسبوق كحصول الخطوة الأولى وانقضائها . وعلى هذا الطريق ، فإن كل خطوة سابقة ، وهي شرط لإمكان تأثير الإرادة في تحصيل الخطوة اللّاحقة . وعلى هذا الترتيب إلى آخر المسافة ، فثبت أنه لا بد من توسط حركة